التفتازاني

76

شرح العقائد النسفية

عداه ، حتى يرد عليه أنه انما يقوم حجة على من يقول بمفهوم المخالفة . وقوله عليه السلام : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » وهو مشهور ، بل الأحاديث في باب لشفاعة متواترة المعنى . واحتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى : « وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ » « 1 » وقوله تعالى : « ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ » « 2 » والجواب - بعد تسليم دلالتها على العموم في الأشخاص والأزمان والأحوال - أنه : يجب تخصيصها بالكفار ، جمعا بين الأدلة . ولما كان أصل العفو والشفاعة ثابتا بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والاجماع ، قالت المعتزلة بالعفو عن الصغائر مطلقا ، وعن الكبائر بعد التوبة ، وبالشفاعة لزيادة الثواب . كلاهما فاسد . أما الأول : فلأن التائب ومرتكب الصغيرة المجتنب عن الكبيرة ، لا يستحقان العذاب عندهم ، فلا معنى للعفو . وأما الثاني : فلأن النصوص الدالة على الشفاعة ، بمعنى طلب العفو عن الجناية ( وأهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار ) وان ماتوا من غير توبة لقوله تعالى : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » « 3 » ونفس الايمان عمل خير ، لا يمكن أن يرى جزاءه ، قبل دخول النار ، ثم يدخل النار فيخلد « 4 » ، لأنه باطل بالاجماع . فتعين الخروج من النار . ولقوله تعالى : « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » « 5 » ولقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا » « 6 » إلى غير ذلك من النصوص الدالة على كون المؤمن من أهل الجنة ، مع ما سبق من الأدلة القاطعة على أن العبد لا يخرج بالمعصية عن الايمان . وأيضا : الخلود في النار من أعظم العقوبات . وقد جعل جزاء

--> ( 1 ) البقرة 48 ( 2 ) غافر 18 ( 3 ) الزلزلة 7 ( 4 ) فيخلد : ط . ( 5 ) التوبة 72 ( 6 ) الكهف 107